متابعات - 2017 ... وما بعد؟

الشروق اون لاين 0 تعليق 15 ارسل لصديق نسخة للطباعة

اخر الاخبار اليوم

2017 ... وما بعد؟

لم يعد الآن بالإمكان الحديث عن المستقبل البعيد ولا المتوسط ولا القريب، لقد مَنَعْنَا أنفسنا لأكثر من مرة من ذلك، ولم يبق لنا سوى الحديث عن المستقبل المباشر، وسنة 2017 هي هذا المستقبل المباشر، الذي بدأ الآن بالمصادقة على قانون المالية 2017، وبالشروع في التحضير للانتخابات التشريعية القادمة... ما هي دلالات هذا الانحصار في الزمن الذي لم نعرف مثله من قبل وماذا علينا أن نفعل بعد ذلك؟

بالفعل مشكلتنا اليوم أن مجال الرؤية لدينا قد ضاق.. كُنَّا نرى لمدى 05 سنوات أو أكثر زَمَنَ التخطيط المركزي، فأصبحنا لا نستطيع الرؤية لأكثر من سنة زمن الانفتاح وحرية العمل! هل مِن بيننا من تُرِكَ له المجال اليوم للتفكير في المدى المتوسط (15 سنة) أو البعيد (25 سنة)؟ هل مِنْ"عاقل" يَقْبَلُك اليوم تُحدِّثَه عن سنة 2032 أو سنة 2042؟ مجنون أنتَ إنْ حاولتَ مُجَرَدَ التفكير في ذلك! الكل يُجمِع أنه لم يَعُدْ بإمكاننا التفكير في كيف سَتَمُر علينا سنة 2017، فكيف مَن يُحدِّثَهم عن ما بعد 15 سنة أو ربع قرن؟ 

هي ذي الحقيقة التي أصبحنا نعيشها، وهو ذا الخطر الذي أصبح يُحيط بنا أكثر من نقص الميزانية ولا المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي نعيش، إنه خطر العجز أمام المستقبل، وهذا هو الذي ينبغي أن يُعالَج في أقرب الآجال قبل غيره من المخاطر.

وليس أمامنا في باب العلاج اليوم، سوى أن نَرفع من درجة وعينا بهذه المسألة الحيوية التي بدونها لن نَتمكن من تجاوز أية مشكلات، بدونها سيبقى كلٌ يَنظرُ إلى يومه دون الغد، ويبحث عن الحلول الترقيعية المُسكِّنة للآلام بدل الحلول الاستراتيجية الكبرى التي تَصنع أمجاد الأمم، ولن تكون الحلول التي نعرف سوى مؤقتة لتجاوز صعوباتٍ في قطاعٍ أو ِانسدادٍ في آخرَ أو مُشكلاتٍ طارئة هنا أو هناك...

لذا فإني أقول إنه علينا الخروج من هذه الحالة الخانقة من خلال القيام بصدمةِ وعيِنَا بقرارات في مستوى التحدّيات القادمة، ذلك أن هذا الوعي هو بحق اليوم في حاجة إلى صدمة قوية لكي يُدرك أن الحلول الضيِّقة أو الفردية لن تُجدي نفعا عندما يتعلق الأمر بمواجهة صِعابٍ داخلية وخارجية لا شك تنتظرنا عند أول منعرج.

هل سينقلنا البرلمان الجديد إلى وضع جديد؟ هل ستؤدي زيادة الضرائب أو الأسعار إلى إنقاذ خزينة الدولة؟ بل هل سيؤدي ارتفاع أسعار البترول إلى ذلك؟ لن أتصور أنه سيَحْدُث، كل ما في الأمر أنه سيتم تأجيل الداء وإطالة عمر المرض...

ما الحل إذن؟ وكيف ينبغي أن نَخرج من ضيق سنة 2017 إلى فسحة السنوات القادمة، ومِن مجال النظرة المحدودة إلى أُفق الرؤية الفسيحة التي لا حدود لها؟

ليس هناك مِن طريق آخر سوى مصارحة الناس بالحقيقة، وكشف ما يجري في الكواليس، قبل أن تكشفه الأيام، وكسب ثقة الجميع من خلال طرح صادق ونزيه لحقائق الأمور.

ولهذا الأمر نحن في حاجة إلى نوعية من القادة الذين عندما يُصارحون المواطن بأنهم لا يملكون ما يقدمُّونه له سوى العرق والجد والصبر، يصدقونهم، إلى نوعية مختلفة تماما عمَّا عرفنا من قبل، مُستعدة لكشف حسابها أمام الناس ما لها وما عليها دون أن تخشى لومة لائم، سواء أكان حسابا سياسيا أو ماليا أو أخلاقيا أو كفاءة ومقدرة وثقافة وعلم... في حاجة إلى قيادة جديدة في أكثر المستويات حساسية لكي تتمكن من الحديث بخطاب آخر للناس...

لم يعد الكل اليوم يُصدِّق الكل، وقد أصبح الجميع يعرف الجميع! لِمَ نَبقَى في هذه الحالة من غير أن نُصارح بعضنا البعض بأنه علينا أن نُعيد إشعال الأضواء لنعرف بقية الطريق؟

لقد استنفذنا كل وسائل التسويف والتأجيل والتعطيل، حتى أصبحنا لا نتحدَّث عن الفعل إنما عن النية في الفعل ثم عن وجود الإرادة في النية لهذا الفعل، إلى درجة أننا لم نعد ندري أي فعل نريد ولا أية نية أو إرادةٍ نَملك...وعليه لم يبق أمامنا سوى أن نتماسك ونتّخذ ما ينبغي اتخاذه من قرارات...

صحيح ليس من اليسير الانتقال من حالة التفكير في تدبير سنة، مباشرة إلى حالة التفكير في تدبير عقد من الزمن أو ربع قرن قادم، وليس من اليسير أن نُقنَع الناس بأننا فعلا نملكُ مشروعا للمستقبل، وهم الذين تحول لديهم المستقبل إلى حاضر ثم إلى ماضي ثم انتهوا هم أنفسهم دون أن يتحقق! سواء أكان ذلك حُلمَ سكنٍ، أو تحقيق معنى للحياة أو غيرها من أحلام الواقع... صحيح كل هذا، ولكننا مضطرون لأن نبدأ. وليس مِن حقِّنا ألا نبدأ...

كل الشعوب والأمم عاشت مثل لحظات الضيق هذه، لكن منها مَن استطاعت أن تجعل بَعدها فرجا وانفراجا في كل شيء، ومنها مَن أقحمت نفسها في ضيق أكبر أو دَخلتْ متاهات لم تتمكن أبدا من الخروج منها.

الصينيون، والأفارقة الجنوبيون، والبرازيليون، والهنود، بل والروس أيضا، كانوا ومازالوا من بين الدول والشعوب التي خرجت من عنق الزجاجة وتفادت بقليل من الحذر الوقوع في حالة الضيق الشديد، وها  هي هذه الدول اليوم تتطلع للمستقبل برؤية بعيدة المدى وبإمكانها أن تُفكِّر في أن تُصبِح نِدًّا لأكبر دول العالم... لِمَ لا نحذو حذوها ونُنقذ أنفسنا من مصير سيء ينتظرنا؟

ما الذي يمنعنا نحن من اختيار طريق القِوى الصاعدة بدل طريق القِوى الهابطة؟ ما الذي يمنعنا من الخروج مِن عنق الزجاجة في لحظة تاريخية تكون هي لحظة العمر، حيث يعود الأمل للناس وتعود لهم الثقة في المستقبل؟

أؤمن بأن في بلدنا طاقة كبيرة تريد أن تصنع منه ما يستحق أن يكونه بحق، بحكم التاريخ والجغرافيا والقدرات... كما أن هناك نخبة قادرة على ذلك في كافة المستويات... أؤمن بكل هذا كما أؤمن بأنه سيتحقق، ولن نبقى نعيش حالة الخوف من المستقبل، ومن الغد بالتحديد، ولا حالة التخويف من سنة 2017.

لنُسمَّي ذلك خرافة، أو تفاؤلا في غير محله، أو وطنية مُكابِرة، ولكنه دوما يبدو لي حقيقة ساطعة: بلادنا لا يمكن أن تتلاعب بها أيادي ليست أهل لها، والشعب الجزائري لا يمكن أن يقبل بأية سياسات عبثية، وتضحيات الشهداء الأبرار لن تترك مسيئا إلا وعاقبته أو مُحسنا إلا وأعانته... وذلك وحده كافٍ ليجعل مِنَّا نأمل في غد أفضل، وأن الأمر لن يتسع إلا إذا ضاق، وما ستضيق سنة 2017 إلا وستنفرج بعدها السنوات اللاحقة، والله تعالى المستعان...

* هل سينقلنا البرلمان الجديد إلى وضع جديد؟ هل ستؤدي زيادة الضرائب أو الأسعار إلى إنقاذ خزينة الدولة؟ بل هل سيؤدي ارتفاع أسعار البترول إلى ذلك؟ لن أتصوّر أنه سيَحْدُث. كل ما في الامر أنه سيتم تأجيل الداء وإطالة عمر المرض.

الخبر | متابعات - 2017 ... وما بعد؟ - يمكنك مشاهدة مصدر الخبر الاصلي من الرابط التالي وهو : الشروق اون لاين ويخلي موقع تريكات عن مسؤوليته الكاملة عن محتوي اي خبر وانما تقع المسؤولية على الناشر الاصلي للخبر.

أخبار ذات صلة

0 تعليق