العالم العربي اليوم العائلات العراقية بين مراكز الاعتقال ونيران «داعش»

الشرق الاوسط عالم عربي 0 تعليق 9 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الجمعة - 3 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 02 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13884]

فر إحسان إسماعيل منذ نحو شهر من قريته أبو جربوعة، شرق الموصل، قبل ساعة فقط من والده ووالدته وشقيقته. نقلته القوات الكردية إلى مخيم الخازر على أن يلحق به أفراد عائلته. لكن هؤلاء نقلوا إلى مخيم آخر، ومنع إحسان من الانضمام إليهم.

وتمنع القوى الأمنية العراقية وقوات البيشمركة الكردية النازحين من الخروج من مخيماتهم، تأخذ هوياتهم فور وصولهم إلى المخيم وتفرض عليهم البقاء داخله. وتبرر ذلك بـ«أسباب أمنية» دفعت منظمة «حقوق الإنسان الدولية» إلى تشبيه الوضع بعملية «احتجاز».

ويقول إحسان (18 عاما) «مر شهر على هذه الحال، أنا في مكان وهم في مكان، ولا يسمح لي بالخروج... كل ما أريده هو أن اذهب إليهم. أفتقدهم كثيرا».

ويتساءل الشاب صاحب العينين الخضراوين والشعر الكستنائي «ما الفرق؟ لا أفهم.. المخيم مخيم والسياج هو ذاته».

في مخيم قيماوة شمال الموصل، لا يمنع النازحون من الحركة فقط، بل أيضا من استخدام الهواتف النقالة، بحسب منظمة «هيومان رايتس ووتش». ونتيجة ذلك لم يتمكن إحسان من التحدث إلى عائلته سوى مرتين فقط خلال شهر، وأثارت الإجراءات الأمنية في المخيمات قلق المنظمات الإنسانية. وتوضح بلقيس ويلي من منظمة حقوق الإنسان «في المخيمات التي تشرف عليها القوات العراقية، لا يسمح للنازحين بالتحرك بتاتا، إلا إذا قررت السلطات نقلهم أو إعادتهم إلى مناطقهم».

وتضيف «في المخيمات تحت سلطة حكومة إقليم كردستان، لا يسمح أيضا للنازحين من الموصل بالتحرك بشكل عام»، مشيرة إلى بعض الاستثناءات المحدودة مثل مخيم ديباجة جنوب الموصل، حيث يسمح للنازحين بالتنقل داخل القرية فقط بعد أن تأخذ منهم هوياتهم ضمانة لعودتهم.

عند مدخل مخيم الخازر الواقع شرق الموصل ويشرف عليه عناصر من البيشمركة سوق صغيرة تتنوع بضائعها بين خضراوات ومواد غذائية وملابس، لكن عملية البيع والشراء تتم من خلف سياج حديدي يفصل بين الباعة وزبائنهم النازحين.

وتقول ويلي «لم أر شيئا من هذا القبيل، إنه أمر مقلق من شأنه أن يؤسس لمسار خطير. أن يمنع آلاف العراقيين من التحرك في بلدهم».

وتتابع: «إنه أمر مرفوض على المستويات الدولية كافة، وحتى إن لم يكن حجزا، فإنه يبدو كذلك في الحقيقة».

ويروي نازحون آخرون قصصا أخرى تشبه قصة إحسان، ويقول فواز خالد (42 عاما) الذي يجلس برفقة شقيقيه وجيرانهم يشربون الشاي في إحدى خيم الخازر: «نحن على هذه الحال منذ 28 أكتوبر (تشرين الأول)، ولا أحد يسمعنا».

ويشرح خالد، وهو أب لتسعة أولاد، كيف وصل إلى المخيم قائلا: «حين رأينا أعلام البيشمركة من داخل القرية (أبو جربوعة)، قررنا الخروج مجموعات صغيرة لكي لا يعتدي علينا الدواعش، خرجت مع شقيقي الاثنين على أن تلحق بنا زوجاتنا».

ويتابع: «وصلنا إلى حاجز البيشمركة، قلنا لهم هناك عائلات خلفنا، أجابوا (نأخذكم ويلحقون بكم)». بعد ثلاثة أيام، سمع خالد أن زوجته وأطفاله وعائلتي شقيقيه في مخيم قيماوة.

يقول: «ذهبت فورا إلى المسؤولين في المخيم وقلت لهم إننا نريد الالتحاق بعائلاتنا، أجابونا إنها إجراءات فقط وسينتهي الأمر بعد عشرة أيام، وها نحن بعد شهر ولم يتغير شيء، أطلب الخروج وهم يرفضون». وبالإضافة إلى اتصالات هاتفية قليلة جدا بينهم وبين زوجاتهم، يأتي أقرباء لهم ليسوا بنازحين لزيارتهم، ويتولون نقل الأخبار بين أفراد العائلة.

وردا على سؤال لوكالة الصحافة الفرنسية حول القيود المفروضة على سكان المخيمات، قال أمين عام وزارة البيشمركة جبار ياور إنه موضوع أمني «نحن في حالة حرب مع جهة إرهابية تستخدم كل الطرق الممكنة لشن عمليات إرهابية داخل المدن، وقد يتسلل عناصر (داعش) بين النازحين وينشئون خلايا سرية».

وأضاف: «هذا أمر طبيعي. يبقى النازحون في المخيمات إلى حين فحصهم من الناحية الأمنية». لكن المشكلة أن هذا الفحص يستغرق أسابيع طويلة جدا. ولم تر شيماء إسماعيل (38 عاما) ابنيها محمد (20 عاما) وأحمد (21 عاما) منذ فرارهم معا من أبو جربوعة. وتفرقت الوالدة التي كانت مع ولديها محمود (16 عاما) وأماني (ثلاث سنوات) عن محمد وأحمد عند حاجز للبيشمركة. ظنت أنها ستلتقي بهم في المخيم، لتفاجأ بأنهم في مخيم آخر.

وتقول بحسرة «طلبت الذهاب عند أولادي، لم يسمحوا لي».

وتضيف وقد وضعت على رأسها شالا ظهر شعرها الكستنائي من تحته «رجوتهم أن اذهب إليهم أو أن يأتوا لي بهم، ولا من مجيب».

وتكلم شيماء ولديها مرة في الأسبوع، فهما يخافان أن يأخذ مسؤولو قيماوة الذي يشرف عليه الأكراد أيضا، الهاتف الخلوي منهما: «يخبراني بأنهما بخير ويقفلان الخط». وتضيف «محروق قلبي على ولادي».

عند مدخل قرية قوقجلي المحاذية للموصل، يقف محمد علي حسين (62 عاما) الذي فر من حي القادسية الثانية في مدينة الموصل في محاولة للالتحاق بعائلته بعد أكثر من عامين من الفراق بسبب سيطرة تنظيم داعش على المدينة.

ويقول أستاذ الرياضيات، الذي يحمل على ظهره حقيبة باهتة اللون، وقد بدت عليه علامات الحيرة: «أنا أصلا من بغداد، وعائلتي في كركوك. أولادي أساتذة في الجامعة وابنتي طبيبة وزوجتي معلمة، أريد أن أصل إليهم إلى كركوك أو أعود إلى بغداد».

ويضيف «قيل لي أن أذهب إلى مخيم الجدعة (جنوب الموصل) الذي تشرف عليه القوات العراقية، لكن أخاف أن أدخل المخيم فلا أخرج منه. يجب أن أجد حلا آخر».

من جانب آخر، سكت عبد الرزاق جلال عن الكلام برهة وبدت عليه الصدمة لدى سؤاله عن كيفية تعذيب تنظيم داعش له في سجن بالموصل لإجباره على الاعتراف بأنه جاسوس. قال لوكالة «رويترز»: «لم أعترف مطلقا. كنت أعرف أن العقاب سيكون الموت». وألقى «داعش» القبض على جلال (39 عاما) في قريته قرب الموصل في شمال العراق في وقت سابق هذا العام، متهما إياه بالتجسس لصالح القوات الكردية.

وبعد ست ليال وسبعة أيام من الضرب وإساءة المعاملة والتهديد بالقتل يقول: إن المتشددين تركوه يمضي لحال سبيله بعدما حكم قاض منهم بأنه «لا توجد أدلة كافية لإصدار حكم عليه». وكان جلال محظوظا أن نجا بحياته؛ فقد أعدمت «داعش» عشرات الأشخاص الذين اتهمتهم بالتجسس في الموصل في الأسابيع الأخيرة وحدها مع تقدم القوات العراقية المدعومة من الولايات المتحدة في الموصل معقل التنظيم.

وكان يعرف أن الأمر كان من الممكن أن يؤول إلى الأسوأ. فمصير الكثير من سكان قريته الفضيلية التي تبعد بضعة كيلومترات إلى الشمال الشرقي من الموصل ومصير كثيرين اعتقلوا في أماكن أخرى خلال حكم «داعش» منذ أكثر من عامين لا يزال مجهولا. وعلى الرغم من التئام الجروح الجسدية، حيث استعرض جلال صورا تعود لشهور على هاتفه لكدمات وجروح في جميع أنحاء جسمه؛ فالمحنة لا تزال محفورة في ذاكرته.

وقال جلال «علقوني رأسا على عقب من قدمي وضربوني لساعتين. كان هذا في الليلة الأولى.. استخدموا أسلاكا وعصيا خشبية وأحدهم، فقد كان هناك ثلاثة أو أربعة، ضربني بمسدس مرارا على رأسي». وأضاف أن جماعة «داعش» وجميعهم من مناطق محيطة بالموصل حاولوا حمله على الاعتراف بالتجسس لصالح قوات البيشمركة الكردية التي تقاتل الدولة الإسلامية، وعندما رفض زادوا من انتهاكاتهم وتهديداتهم. وقال «في اليوم الثاني طرحوني أرضا على وجهي وقيدوا يدي خلف ظهري. أحدهم وقف على ساقي وآخر على رأسي وبدأ في رفع يدي. ظننت أن صدري سينكسر». وقبل محاكمته ألبسه رجال «داعش» سترة برتقالية، وهي الملابس التي تقتل فيها «داعش» عادة ضحاياها، وأبلغوه بأنه سيحكم عليه بالإعدام بقطع رأسه.

وأضاف أن اثنين من نزلاء زنزانته الذين كان يزيد عددهم على 40 قتلا بهذه الطريقة بعدما اعترفا تحت الإكراه بتقديم معلومات لتوجيه ضربات جوية ضد مقاتلي «داعش». ولم يتسن لوكالة «رويترز» التحقق من صحة روايته.

الخبر | العالم العربي اليوم العائلات العراقية بين مراكز الاعتقال ونيران «داعش» - يمكنك مشاهدة مصدر الخبر الاصلي من الرابط التالي وهو : الشرق الاوسط عالم عربي ويخلي موقع تريكات عن مسؤوليته الكاملة عن محتوي اي خبر وانما تقع المسؤولية على الناشر الاصلي للخبر.

أخبار ذات صلة

0 تعليق