قد تحتوي أنظمةُ القيادةِ الذاتيَّةِ على أخطاءٍ برمجيةٍ، لكنّها خاليةٌ من ظروفِ التَشَتُّتِ والتصرفاتِ المليئةِ بالمخاطرِ التي لا تعدُّ ولا تُحصى، والتي هي الأسبابُ الأكثرُ شُيوعًا لحوادثِ المرور في زمننا الحالي.

غَيَّرَ التطورُ السريعُ في عالمِ السياراتِ المُجتمعاتَ الحديثةَ أينَ نعيشُ، وماذا نشتري، وكيفَ نعملُ، وكيفَ نتصلُ بأصدقائنا. ونتيجة لتحوُّل السياراتِ والشاحناتِ إلى جزء من حياتنا ظهرت فِئاتٌ جديدةٌ تمامًا من الوظائفِ واضمحلّت فِئاتٌ أُخرى.

نحنُ الآنَ على مشارفِ نَقلةٍ تقنية أُخرى في عالمِ المواصلاتِ والنقلِ: من القيادةِ البشريةِ إلى القيادةِ الذاتيةِ للمركبات. يَصعُبُ تَوقُعُ تأثيرُ المركباتِ ذاتيَّةِ القيادةِ على المجتمع على المدى الطويلِ، والشيءُ الوحيدُ المؤكدُ أنَّهُ عندما تُصبِحُ هذه المَركباتُ في كل مكانٍ، ستكونُ الحياةُ مختلفةً عن ما نعيشه اليومِ.

منذُ عدةِ سنواتٍ وحتى اليوم، تَختَبِرُ شركةُ غوغل وعددٌ من الشركاتِ الأُخرى السياراتِ ذاتيَّةَ القيادةِ، والنتائجٍ جيدةٍ. وتُعالِجُ هذه السياراتُ معلوماتٍ ضخمة ناتجةٍ عن حسَّاساتٍ وأجهزة عديدةٍ مثل رادار مُدمَج وكاميرات وحساسات فوق صوتيةٍ ونظامُ تحديدِ الموقعِ، وخرائطٌ مخزنةٌ، بهدفِ التنقُّلِ على الطُرقاتِ خلال ظروفِ عملٍ أكثرَ تعقيدًا وأسرعَ تغيرًا لحركةِ المرورِ من دونِ أي تَدخُّلٍ بشريٍ.

لكنَّ استخدامَ المُستَهلِكِ للمركباتِ ذاتيَّةِ القيادة قد بدأ فعلًا، وسيتَطَورُ اعتمادُ هذه التقنيَّةِ بشكلٍ تدريجيٍّ، عبر التوظيفِ المُستمر لوسائلِ الراحةِ والأمانِ الأكثرَ ذكاءً في السياراتِ المألوفة. على سبيلِ المثالِ، توفِّرُ بعضُ النماذجِ العديدَ من الميزاتِ منها: ركن ذاتي للسيارة بشكل متوازٍ، والمحافظةُ على مسار الطريقِ آليًا، والكبحُ في حالاتِ الطوارئ، ومُثَبِّتُ السُرعةِ نصفُ الآلي. وفي شهرِ تشرين الأول/أكتوبر من عام 2015، قدَّمت شركةُ تسلا موتورز مجموعةً من البرمجياتِ التي تُمَكنُ مالكي سياراتها من تطبيقِ شكلٍ محدودٍ من عمليةِ القيادةِ الذاتيةِ، ويُمكنهم تحميلُها من الإنترنت.

من المرجَّحِ أن يستمرَّ هذا التوجُّه مع تطورِ مثلِ هذه التقنية ومع انحسارِ الحواجزِ القانونيةِ والتنظيميَّةِ. ففي الولاياتِ المتحدةِ، سَمَحَت حوالي سِتّ ولاياتٍ بالعرباتِ ذاتيةِ القيادةِ، والعديدُ من الولاياتِ الأُخرى تخططُ لفعلِ المثلِ. وتدور حاليًا النقاشاتِ بين شركاتِ تأمينِ السياراتِ وأعضاءُ المجلسِ التشريعي عن كيفية توزيعِ المسؤوليَّةِ وتكاليف الأضرارِ عندما تَصطدِمُ السياراتُ ذاتيةُ القيادةِ مع بعضها البعض، لأنَّ ذلكَ سيحدثُ عاجلًا أم آجلًا. على الرغمِ من أن المتوقعِ أن تُثبِتَ هذه السياراتُ أنها أكثرُ أمانًا، كمعدلٍ وسطي، من السياراتِ الحاليةِ التي يقودها الأشخاص.
وتوجد قابليةٌ كبيرةٌ للتطوُّرِ على هذا الصعيدِ. ففي الولاياتِ المتحدةِ، تُعدّ حوادثُ السيرِ مسؤولةً عن أكثرِ من 30,000 حالةَ وفاةٍ وحوالي 2.3 مليون جريحٍ سنويًا. قد تحتوي أنظمةُ القيادة الذاتيَّةِ على أخطاءٍ برمجيةٍ، بسببِ تعقيدِ البرامجِ التي تقومُ بعمليةِ القيادةِ، لكنَّها خاليةٌ من ظروفِ التشتتِ والتصرفاتِ المليئةِ بالمخاطرِ التي لا تُعدٌّ ولا تٌحصى والتي هي الأسبابُ الأكثرُ شيوعًا لحوادثِ المرورٍ حاليًا. على المدى القريبِ، ستعملُ أنظمةُ الأمانِ نصف الآلية فقط لمنعِ وقوعِ الحوادثِ، وباستثناء ذلك تتركُ باقي وظائفِ القيادةِ للسائق، والتي من المُرَجَّحِ أن تُقللَ من الأضرارِ البشرية للقيادةِ بشكلٍ كبيرٍ.

ستَحدُثَ انتقالاتٌ أكثرٌ كِبَرًا وأعمقُ تأثيرًا عندما يُمكننا الوثوقُ بمقدرةِ السياراتِ والشاحناتِ على قيادةِ ذاتها بشكلٍ دوريٍ، حتى مع عدمِ وجودِ أي شخصٍ داخلها. ربما عندها ستتوقفُ خاصيَّةُ امتلاكِ سيارةٍ عن كونِها حاجةً من حاجاتِ الحياةِ المُعاصِرةِ بالنسبةِ لعددٍ كبيرٍ من الناسِ. يُمكن أن تُصبحَ السياراتُ المشترَكَةُ وسياراتُ الأُجرةِ وخدماتُ التوصيلِ من دونِ سائقٍ هي العُرف السائد. قد يساعدُ هذا التحوُّلُ المسنينَ والعجزة -وهم جزءٌ متزايدٌ من عددِ السُكان- في التَقدُّمِ في السنِّ في مكانٍ أكثرَ أمانًا. وتُساعدَ المَركباتُ المُشترَكَةُ القابلةُ للبرمجةِ في التقليلِ من الحاجةِ إلى مناطقِ ركنِ السياراتِ، والحدِّ من الازدحامِ عن طريقِ مَنعِ وقوعِ الحوادثِ، وتوفيرِ سفرٍ آمنٍ بسرعاتٍ أعلى وبمسافاتٍ مُتقاربةٍ أكثر، وتوفر عددًا كبيرًا من الفوائدِ الثانويَّةِ الأخرى.

على غِرارِ كُلِّ تقنيةٍ جديدةٍ، ستحتوي العرباتُ ذاتيَّة القيادةِ على سلبياتٍ أيضًا. ففي المستقبلِ البعيدِ، قد تتوقفُ القيادةُ التجاريَّةُ عن كونها مِهنَةً صالحةً للممارسةِ. تُثييرُ فكرةُ العَرباتِ المُشترَكَةِ العديدَ من المَخاوفِ الشائكةِ المُتعلقةِ بالخُصوصيَّةِ والأمانِ. وفي بعضِ المناطقِ، قد تزيدُ القدرةُ على تَحمُّلِ تكاليفِ السياراتِ من مشكلات الازدحامِ والتلوثِ كثيرًا عوضًا عن التقليلِ منها. ولكنَّ الفوائدَ الكثيرةَ للسيارات ذاتيَّةِ القيادةِ مُقنعَةٌ لدرجةِ أنَّ اعتمادها على نطاقٍ واسعٍ هي مسألةُ وقتٍ فقط.


ترجمة: مازن ملص
تدقيق: أحمد شهم شريف
المصدر