اخبار اليوم "اللحمة" فيها سم قاتل

اخبار اليوم -الوفد 0 تعليق 13 ارسل لصديق نسخة للطباعة

«الدواء فيه سم قاتل» عبارة رددها أبطال فيلم «حياة أو موت» فى الخمسينات ليحذروا مريضاً من تناول دواء قد يودى بحياته، ولكن فى الألفيات تغير الوضع تماماً، وأصبحت الأغذية التى يتناولها المصريون «السم القاتل» خاصةً اللحوم، فالعديد من التجار يستخدمون الهرمونات لتسمين العجول وزيادة وزنها قبل طرحها  للبيع بحوالى أسبوع أو اثنين، دون النظر إلى المخاطر الكارثية التى قد تصيب صحة المواطنين وأبرزها مرض السرطان.

واقعة في قرية أوسيم بمحافظة الجيزة، هى التى قادتنى إلى البحث فى هذه القضية الخطيرة لمدة 4 شهور كاملة، وكشفت عن الألاعيب التى يستخدمها التجار لزيادة وزن العجول وحقنها بالهرمونات لتسمينها.  

فقد استيقظت أسرة بسيطة على صراخ طفلتهم «ندى» التى لا يتجاوز عمرها 12 عاماً، والتى كانت تشكو من ألم شديد فى المعدة، تم نقل الطفلة إلى المستشفى وبعد عمل الفحوصات اللازمة لها تبين إصابتها» بالتسمم المعوى» بعدما تناولت قطعة من اللحم اشترتها الأسرة من أحد الجزارين بالمنطقة.

هذه الواقعة أزالت الستار عن الكثير من التجاوزات التى يرتكبها التجار قبل بيع اللحوم، فمعظم الماشية يتم ذبحها خارج السلخانة وكثير منها مصاب بالأمراض. المصيبة الأكبر أن الكثير من التجار يلجؤون إلى حقن العجول بالهرمونات لزيادة وزنها بالتزامن مع عيد الأضحى المبارك. 

هذه الواقعة أعادت إلى الأذهان الكارثة الصحية التى وقعت فى عام 2011، وهى وصول شحنة لحوم تقدر بحوالى 23 ألف عجل من استراليا بها كميات كبيرة من الكبسولات المزروعة تحت الجلد، وبتحليل عينات من هذه الشحنة عثر على هرمونات أنثوية وهرمون استرديول 17 بيتا وهو هرمون أنثوى وصل مستواه فى  العجول إلى 3400 نانوجرام بما يفوق أضعاف مستواه الطبيعى 240 نانوجراماً، وهذا يعنى أن تناول لحوم هذه الحيوانات سيؤثر على خصوبة الرجال وتصيبهم بالسرطان.

 

المهمة الصعبة

 الوصول إلى العجول المحقونة بالهرمونات لم يكن مهمة سهلة، خاصة أن وراءها تجاراً كباراً يبذلون قصارى جهدهم من أجل إخفاء جريمتهم، البداية، كانت فى الوحدة البيطرية بأوسيم، حيث يذهب إليها عشرات الأهالى يومياً لعلاج مواشيهم، توجهنا مباشرة إلى الدكتور «مبروك الصابر»  وسألناه إن كان قد صادفه أحد الحيوانات المحقونة بمنشطات تحفيز النمو، فأجاب: «هناك بلاوى لا تعد ولا تحصى يرتكبها المربون، منها إعطاء الحيوانات كميات كبيرة من المضادات الحيوية دون الاهتمام بالنسب المسموح بها، ما يؤثر على صحة الإنسان الذى يتناول هذه اللحوم منها وخلق بكتيريا تهاجم أى نوع من المضادات الحيوية التى يتناولها الإنسان بطريقة مباشرة مما يبطل مفعولها».

وأشار «مبروك» إلى أن بعض المربين يستخدمون الهرمونات بمختلف أنواعها سواء الطبيعة مثل «الاستروجين والبروجسترون والتستوستيرون، أو المختلطة مثل الاكواجان وغيرها، لتسمين العجول وزيادة وزنها لتحقيق مكاسب طائلة».

وأثناء حديثى مع الدكتور مبروك، دخل أحد المربين للوحدة ويدعى «عبد الباسط أحمد» من أهالى القرية فقال الطبيب والابتسامة على وجهه: «اهو ده واحد من اللى بيستخدموا الهرمونات»، ففوجئت برد «عبد الباسط»: «طبعاً يا دكتور لو ماعملناش كده مش هنكسب، خاصةً إن الأعلاف الطبيعة لا تزيد وزن العجول بشكل كبير، فنضطر لشراء منشطات زيادة النمو من مراكز بيع الأدوية البيطرية وحقنها للبهائم».

وعندما وجهت إليه سؤال «إذا كان يعلم بالأمراض الناجمة عن استخدامه لهذه المنشطات؟»، أجاب: «الدنيا كلها بقت ماشية كده دلوقتى وبعدين ما أنا باكل من اللحمة دى ولم  يصبنى أى مرض الحمد لله، فيبقى مفيش حاجة لو استخدمتها، مؤكداً أن معدة الشعب المصرى بتهضم الزلط».

ولتأكيد صحه ما قاله د. مبروك: «تم أخذ عينات عشوائية من دماء بعض العجول بالوحدة قبل ذبحها وبيعها فى الأسواق، وتبين حقنها بهرمون الاكواجان وأخرى بهرمون الاستروجين بنسب تتخطى المعدل الطبيعى للاستخدام».

   وعن مخاطر هذه الهرمونات، يقول د. مصطفى الجعفرى الأستاذ بكلية الطب البيطرى جامعة القاهرة: «إن الهرمونات التى تستخدم لتسمين العجول بمختلف أنواعها سواء كانت طبيعية مثل الاستروجين أو مختلطة مثل الاكواجان تتسبب فى كوارث صحية للسيدات والرجال، منها إحداث اضطرابات فى الهرمونات الطبيعية بالجسم، ما يتسبب فى نقص عدد النطف فى ماء الرجل، وكبر حجم الثدى فى بعض الذكور، والبلوغ فى سنّ مبكرة للإناث، علاوةً على اضطرابات فى الدورة الشهرية وزيادة النزيف.

ويضيف: «الخطورة الأكبر فى ظاهرة التخنيث التى تسببها الهرمونات، فيظهر على النساء بعض علامات الرجولة مثل خشونة الصوت وكثافة الشعر، أما الرجال فتظهر عليهم علامات الأنوثة مثل نعومة فى الصوت وغيرها من الصفات، مشيراً إلى أن العديد من الدراسات أثبت وجود علاقة بين الهرمونات والإصابة بسرطان الثدى عند النساء، وسرطان البروستاتا عند الرجال.

البحث عن اللحمة

بعد إثبات الهرمونات فى دماء العجول التى على وشك الذبيح فى عيد الأضحى، كانت المهمة الثانية هى البحث عن متبقيات هذه الهرمونات المحظورة فى اللحوم التى سيتم طرحها فى الأسواق، هذه الخطوة صعبة للغاية فإثبات المتبقيات المحظورة فى دماء العجول أسهل بمراحل عن كشفها فى اللحوم التى تباع بشكل علنى فى محلات الجزارة وفى الأسواق.

قبل شراء عينات من اللحوم لفحصها، كان لابد من معرفة المتورطين فى هذه الكارثة وأبرز الهرمونات المستخدمة خاصةً أن المربين ليسوا متخصصين ومعظمهم أميون فبالتأكيد هناك جهة ترشدهم لاستخدام هذه الهرمونات لكى تسفيد هى الأخرى.

 تحدثت مع طبيب بيطرى مشرف على إحدى المزارع ويدعى د. عبد الغنى أحمد، بصفتى صاحب مزرعة جديدة وأود معرفة الطرق التى أسلكها لنجاح هذا المشروع وتحقيق مكاسب كبيرة خاصةً أن الأعلاف الطبيعة تكبدنى مبالغ طائلة ولا تزيد من وزن العجول بل تبقى كما هى هزيلة ولا يتراكم فيها اللحم، فأخبرنى أنه سيدلنى على الطريقة المثلى والتى يلجؤون إليها فى المزارع لزيادة وزن البهائم قبل المواسم بأسابيع قليلة، ونصحنى باستخدام هرمون الاكواجان أو البروجسترون لزيادة وزن العجل خلال أسبوع أو اثنين، «علاوةً على أن سعرهما رخيص جداً ولن يكلفك مبالغ طائلة  كالتالى تنفق على الأعلاف». 

وأكد عصام رمضان طبيب بيطرى: «أن التجار أصبحوا يتنافسون على استخدام الهرمونات للتسمين، مشيراً إلى أن الكثير من الأطباء البيطريين يشجعون على هذه الجريمة، ويحرصون على إعطائها للعجول فى المزارع التى يشرفون عليها، لبعض المربين.

بعد طرح اللحوم بالأسواق مع حلول عيد الأضحى، أخذنا عينتين من منطقى أوسيم والوراق وعرضهما على مركز البحوث الزراعية (المعمل المركزى للأغذية والأعلاف) لفحصها والكشف عن متبقيات الهرمونات بها، فعثر بها بعد بقائها لأكثر من شهرين فى المعمل، على هرمونات منها Prednisone المركب، هو الاسم العلمى للكورتيزون ومشتقاته، بنسب كبيرة عن معدله الطبيعى فى الجسم.

وعن تأثير هذه المادة يقول الدكتور عامر رمضان أستاذ الأدوية رئيس مجلس قسم الأدوية بكلية الطب البيطرى جامعة القاهرة :«إن مادة الكورتيزون ومشتقاتها تستخدم عادةً لعلاج الالتهابات المزمنة وغيرها من الأمراض، ولكن يتم استخدامها فى بعض الأحيان بكميات كبيرة عن النسب المسموح بها لزيادة وزن العجول، خاصةً أنها تمنع خروج كلوريد الصوديوم «ملح الطعام» من جسم الحيوان وتخزن كميات كبيرة من المياه داخل جسمه تتسبب فى تورم أجزاء من العجل، تظهر بوضوح على شكل بقع فى قطع اللحم بعد ذبحه.

وأشار إلى أن هذه المادة إذا ما تم استخدامها بنسب تزيد عن المسموح بها، فلها أضرار على صحة من يتناول هذه اللحوم، منها ضعف جهاز المناعة، ما يجعل الجسم غير قادر على مقاومة الأمراض، كما تنشط أى نوع من البكتريا الضارة بسهولة داخل جسم الإنسان، علاوةً على أن الإنسان يكون  أكثر عرضة للإصابة بالسرطانات الخبيثة عن غيره».           

  ونوه «رمضان» بأن مشكلة المتبقيات الضارة فى المنتجات الحيوانية ظهرت فى الآونة الأخيرة بشكل كبير، حيث يتم إعطاء الحيوان أى نوع من هذه المجموعات الدوائية (الهرمونات – العقاقير الطبية – المضادات الحيوية – المبيدات الحشرية – إضافات الأعلاف) تؤدى بدورها إلى وجود متبقيات فى أنسجة وأحشاء الحيوان لذا فإنه يلزم عند استخدام أى نوع منها أن لا يذبح أو تستخدم منتجاته الغذائية قبل انقضاء مدة انتظار كافية للتخلص من تلك البقايا والتى تسمى بفترة السحب».

وأكد أن مربى الأبقار فى أمريكا يستخدمون الهرمونات لتحسين كفاءة ونوعية اللحم المنتج حيث تصل نسبة الزيادة فى الوزن إلى نسبة تتراوح من 14 -15 % وذلك بترسيب الدهون بين العضلات وتكوين البروتين مما يعطى اللحم مذاقاً خاصاً بينما تحظر دول السوق الأوربية المشتركة هذه العملية بدعوى إن ذلك مخالفة للطبيعة وتخوفاً من مدى تأثيره المستقبلى مما دعا دول أوربا إلى أن تمتنع عن استيراد لحوم الأبقار المعالجة بالهرمونات من أمريكا».

ولفت فى نهاية حديثه إلى أن: «المجموعة الأوروبية تقوم بدفع غرامة مالية سنوية تصل إلى 75 مليون دولار لأمريكا جراء عدم استيرادها تلك اللحوم، للحفاظ على صحة وسلامة شعبها، خاصةً أن استعمال الهرمونات لزيادة معدلات النمو فى عجول التسمين بجرعة أكبر مما هو موصى به أو لوقت أطول أو تكون الهرمونات نشطة عن طريق الإعطاء بالفم فإن بقاياها فى الأنسجة والأعضاء للحيوانات قد تحدث أثاراً جانبية وسمية تنعكس بصورة سلبية على المستهلك».

الدواجن والهرمونات

 ما كشفته «الوفد» هو نقطة فى بحر، مقارنة بما يحدث فى الواقع، وقام بإثباته العديد من الباحثين المتخصصين سواء بتجارب قاموا بإجرائها على اللحوم أو حتى على الدواجن.

   يقول الدكتور شريف معروف الاستاذ بكلية الطب البيطرى جامعة القاهرة :» إن العديد من الدراسات والابحاث تناولت هذه الظاهرة الخطيرة والتى باتت تهدد صحه المجتمع بشكل كبير، مشيراً إلى أن المشكلة لا تقتصر فقط على اللحوم بل الدواجن تواجه نفس الأزمة، حيث يتم خلط حبوب منع الحمل مع الأعلاف التى تتغذى عليها الدواجن لزيادة وزنها فى أقل وقت ممكن، مما يكون لها تأثير سلبى على صحة الإنسان الذى يتناولها، ومنها الإصابة بسرطان الثدى عند النساء وحدوث عقم، علاوةً على الاضطرابات التى تحدث فى الهرمونات الطبيعية داخل جسم الإنسان».

وتابع: «متبقيات الهرمونات توجد أيضاً فى المشتقات البروتينية الناتجة عن هذه الحيوانات المحقونة بها مثل البيض أو اللبن أو الجبن وغيرهما، لذلك يصاب الإنسان بنفس الأمراض الخطيرة التى سبق ذكرها إذا تناولها».

ويضيف: «التجارب التى أجريت على عينات عشوائية من الألبان والبيض والجبن الموجودين فى الأسواق، وعثر على متبقيات هرمونات أنثوية بهما، كما عثر فى البعض منهما على متبقيات من المضادات الحيوية بكميات تتعدى النسب الممسوح بها، مما يشكل خطراً على من يتناولها».

المضادات الحيوية

 عشوائية استخدام المضادات الحيوية لا تقل خطورة عن استخدام الهرمونات، حيث يستخدم بعض المربين كميات كبيرة من بعض المضادات التى تستخدم لعلاج الحيوانات بنسب تتعدى المسوح بها، وأحياناً يتم ذبح هذه الحيوانات دون انتهاء فترة السحب (وهى انتهاء فترة خروج المضاد من جسم الحيوان»، مما ينجم عنه آثار سلبية على صحة الإنسان.

ومؤخراً كشف علماء أمريكيون عن أن الاستخدام المفرط فى المضادات الحيوية وذبحها دون انتهاء فترة السحب، تكوَّن نوعاً من البكتيريا فى جسم الإنسان تهاجم أى نوع من أنواع المضادات الحيوية التى يتناولها الإنسان بطريقة مباشرة لعلاج بعض الأمراض، كما تبطل مفعولها، وذلك بعدما قاموا بتحليل دماء  سيدة أمريكية مسنة بعد عدم تجاوب جسمها مع أى نوع من المضادات الحيوية».

وقام العديد من الباحثين، بالعديد من التجارب والتى تثبت صحة هذا الكلام، فقام د. محمد بدير الباحث بالمركز القومى للبحوث فى أحد أبحاثه المنشورة : بالكشف عن بعض المضادات الحيوية مثل «تايلوزين وسبراميسين وإرثرومايسين» فى اللحوم الحمراء، واكتشف بعد إجراء اختبار «حساسية» على عينات من اللحوم: «أن نسب هذه المضادات والتى تم استخدامها من قبل بعض المربين  تجاوزت الحد المسموح به عالمياً، وعن تأثير ذلك على صحة الإنسان، أكد «بدير» فى بحثه: «أن هذه المضادات تكون بكتريا مانعة فى أمعاء الحيوان تصل للإنسان عند طريق تناوله هذه اللحوم، وتطور إمكاناتها الدفاعية لمواجهة أى نوع من المضادات الحيوية يتناولها الإنسان لعلاج مرض بعينه، ما يبطل مفعولها ولا يكون لها تأثير».

 

 

المقاطعة واجب قومي

 

من 100 قرش إلى 100 جنيه، هكذا ارتفعت أسعار اللحوم منذ السبعينات وحتى يومنا هذا، وطوال هذه الفترة دائماً ما كانت اللحوم هى الحاضر الغائب فى حياة المصريين، حاضرة فى الحديث عن الأسعار ولكنها غائبة عن موائدهم، فارتفاع أسعارها جعلها رفاهية لا يستطيع الكثيرون تناولها باستمرار، ومع ذلك فالفقراء لا ينفكون يتحدثون عنها كل يوم على اعتبار أنها أصبحت حلماً بعيد المنال لهم، فكل يوم ترتفع أسعارها والأمر لا يقتصر على اللحوم الحمراء فقط ولكنه يمتد أيضاً للحوم البيضاء (الدواجن) التى كانت هى الملاذ الأخير لملايين المصريين للحصول على البروتين الحيوانى، إلا أن ما حدث خلال الأيام القليلة الماضية من ارتفاع رهيب فى أسعارها جميعاً جعل الحديث عن مقاطعتها واجباً، لعل الأسعار تنخفض قليلاً وتعود إلى رشدها بدلاً من حالة الانفلات التى تعيشها قبل وبعد تحرير سعر الصرف.

منذ سنوات بعيدة أصبحت اللحوم هماً للمصريين، فرغم أنها وجبة ليست يومية على موائد الغالبية العظمى منهم إلا أن أسعارها تعتبر مؤشراً هاماً لما وصلت إليه الأسعار، ففى سبعينات القرن الماضى قامت واحدة من أشهر الثورات الشعبية بسبب الارتفاع الرهيب فى الأسعار، وهى انتفاضة الخبز المعروفة تاريخياً بأحداث 18 و19 يناير 1977 إبان حكم الرئيس السادات، التى ثار فيها المصريون ضد ارتفاع الأسعار بشكل عام، وخاصة أسعار اللحوم التى ارتفعت من 80 قرشاً إلى 100 قرش، وردد المصريون فيها شعارات مثل «يا جيهان قولى للبيه كيلو اللحمة بقى بجنيه» و«سيد مرعى يا سيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه»، ورغم أن قليلاً من المصريين هم من كانوا يتناولون اللحوم بشكل شبه يومى إلا أن الثورة تزعمها العمال نتيجة ارتفاع الأسعار، وراحوا يرددون الهتافات المضادة لارتفاع أسعار اللحوم بشكل خاص، ولذلك فحينما ارتفعت أسعار اللحوم بشكل مبالغ فيه عام 1980 وبدأت شكاوى المواطنين من ذلك، أصدر الرئيس السادات قراراً بمقاطعة اللحوم ومنع ذبح الحيوانات لمدة شهر كامل، وفى المقابل وفرت الدولة اللحوم فى المجمعات الاستهلاكية بأسعار مخفضة، مما أدى لقيام الجزارين بخفض أسعار اللحوم بعد انقضاء مدة الشهر.

ولكن هذا الإجراء لم يتكرر مرة أخرى فى تاريخ مصر، فرغم ارتفاع أسعار اللحوم طوال الأعوام الماضية منذ 1980 وحتى الآن بشكل مبالغ فيه وغير مبرر إلا أن الدولة لم تتدخل وتركت الأمر للمواطنين الذين تبنوا عدة حملات للمقاطعة، ولكنها لم تكن ذات جدوى، فبعد حوالى 30 سنة كاملة وتحديداً فى عام 2010 وصل سعر كيلو اللحم إلى 50 جنيهاً، فظهرت دعوات لمقاطعة اللحوم ولكنها لم تلق صدى عند الجميع إلا أن بعض أصحاب المطاعم والمحلات التزموا بها، حيث اتفق أصحاب 1300 مطعم على مقاطعة اللحوم لمدة يوم واحد احتجاجاً على ارتفاع الأسعار، ولكن هذه الحملة لم يكن لها مردود على الأسعار، نتيجة لعدم مشاركة المواطنين بها، فاستمرت الأسعار فى الزيادة حتى وصلت الأسعار فى العام الماضى إلى 80 جنيهاً فى المتوسط لتظهر حملة «بلاها لحمة» التى دشنها نشطاء مواقع التواصل الاجتماعى على تويتر وفيس بوك، إلا أن هذه الحملة لم تجد صدى واسعاً أيضاً ولم يشارك فيها الكثيرون، ومن ثم استمرت الزيادة المضطردة فى أسعار اللحوم لتصل خلال الأيام الماضية إلى معدلات قياسية، لتظهر حملة جديدة فى شهر يونية الماضى تبناها أيضاً رواد مواقع التواصل الاجتماعى ولكنها لم تنجح أيضاً، لتستمر الأسعار فى الارتفاع خاصة بعد تحرير سعر الصرف ليتخطى سعر كيلو اللحم حاجز الـ100 جنيه، حيث تتراوح أسعار اللحوم البلدية بين 90 إلى 130 جنيهاً، بينما يتراوح سعر اللحم الضانى من 75 جنيهاً إلى 140 جنيهاً، وبالتوازى مع ارتفاع أسعار اللحوم ارتفعت أيضاً أسعار الدواجن لتصل إلى معدلات غير مسبوقة رغم انتهاء مواسم رمضان والأعياد والتى تعد أحد أهم شماعات ارتفاع الأسعار فى مصر، حيث يتراوح سعر الدواجن البيضاء بين 21 و26 جنيهاً والبلدى بين 23 و31 جنيهاً، لتظهر حملة المقاطعة من جديد فى أول ديسمبر فهل تجدى نفعاً هذه المرة؟

 ورغم أن مصر تعد من أقل الدول استهلاكاً للحوم وفقاً لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) حيث تحتل المركز الـ126 بين دول العالم والعاشر عربياً فى استهلاك اللحوم، إلا أن أسعار اللحوم فيها تعد أحد المؤشرات الرئيسية فى مقياس الأسعار، ومن ثم فإن هذه الزيادات المبالغ فيها جعلتها على رأس السلع التى يجب على المواطنين مقاطعتها.

فجوة

تؤكد الإحصاءات وجود فجوة كبيرة بين الإنتاج والاستهلاك حيث تنتج مصر حوالى 965 ألف طن لحوم حمراء نتيجة لزيادة أعداد رؤوس الماشية من 14.9 مليون رأس عام 2000 إلى 18.5 مليون رأس عام 2014، وتستهلك حوالى مليون و289 ألف طن بفجوة قدرها 333 ألف طن يتم استيرادها من الخارج، الغريب فى الأمر هو ما ذكرته دراسة اقتصاديات اللحوم فى مصر التى أعدها الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء عام 2013 التى جاء فيها أن متوسط أسعار اللحوم المحلية زادت من 17 جنيهاً لكل كيلوجرام عام 2000 إلى 67.7 جنيه لكل كيلوجرام عام 2013 بنسبة زيادة قدرها 298.2%، ومع ذلك لم تتدخل الحكومة ولا المواطنون لمعرفة سبب هذا الارتفاع الرهيب وغير المبرر فى الأسعار، ولم يتحرك أحد ويشارك فى حملات المقاطعة.

تحرير سعر الصرف

وعقب تحرير سعر الصرف شهدت أسعار اللحوم موجة أخرى من الارتفاع، شملت اللحوم المستوردة التى وصلت لأسعار قياسية وأصبحت تتراوح بين 60 و70 جنيها للكيلو، وتوازى معها ارتفاع أسعار الدواجن، التى تستهلك مصر منها حوالى مليون طن سنوياً، ورغم أن محمد وهبة رئيس شعبة القصابين، أكد أن ارتفاع أسعار اللحوم البلدية يرجع إلى ارتفاع أسعار الأعلاف التى وصلت لـ6 آلاف جنيه للطن بعد تحرير سعر الصرف، حيث إن نسبة كبيرة من مكونات الأعلاف تستورد من الخارج، إلا أن الواقع يؤكد أن أسعار اللحوم كانت ترتفع باستمرار قبل تحرير سعر الصرف، وهو ما يؤكد أن سوق اللحوم فى مصر فى حاجة إلى ضابط، ألا وهو المقاطعة مع الاعتماد على بدائل اللحوم.

البدائل

تعد البقوليات بكافة أنواعها مثل العدس والفول واللوبيا والفاصوليا من أهم وأشهر بدائل اللحوم وتحتوى على بروتين قد يوازى أو يزيد على ما هو موجود فى اللحوم، ولكن بعد تحرير سعر الصرف زادت أسعار هذه البدائل أيضاً مما صعب المعادلة على المصريين، ولذلك يؤكد المهندس مجد البواب وكيل وزارة الزراعة للثروة السمكية سابقا، أن الأسماك تعد هى البديل الآمن والأفضل والأرخص حتى الآن للحوم فى مصر، وأشار إلى أن التجار لا يستطيعون المغالاة فى أسعار الأسماك لأنها تتلف سريعاً، وبالتالى يجب أن يكون سعرها فى متناول الجميع حتى يقبل الناس على شرائها، وهذا أفضل للتاجر والمنتج معاً، وأكد أن سعر سمك البلطى فى بورصة كفر الشيخ التى تنتج 80% من السمك البلطى فى مصر يتراوح بين 11 و13 جنيها للكيلو، رغم أن تكلفة كيلو السمك تتراوح بين 9 و10 جنيهات، حيث يصل سعر طن العلف المخصص للأسماك إلى 5 آلاف جنيه، والسمكة التى تزن كيلو تتناول حوالى 2 كيلو علف، يضاف إليها تكلفة الإنتاج من سولار ونقل وإيجار الأرض، وهو ما يؤكد أن هامش ربح المنتج معقول، بينما تذهب ككل الأرباح للتجار، حيث يتراوح سعر كيلو البلطى فى الأسواق بين 18 و26 جنيها، لذلك يجب أن تتدخل الحكومة بتحديد هامش ربح لكل من تاجر الجملة وتاجر التجزئة يتراوح بين 10% و15% على الأكثر، بدلا من الأرباح الحالية التى تزيد على 40% أو 50%، وأضاف أن هذا الإجراء أيضاً يجب أن يتبع مع المستوردين خاصة أن مصر تستورد حوالى 450 ألف طن أسماك سنوياً، ومن ثم فلابد من تحديد هامش ربح للمستورد والتجار لا يزيدون عنه، بذلك تصبح الأسماك هى البديل الأرخص والأفضل للمصريين، الذين يجب أن يغيروا من ثقافتهم فى الطعام فبدلاً من الاعتماد على اللحوم المرتفعة الأسعار دائما يمكن الاعتماد على البدائل الأخرى.

من ناحية أخرى يرى خبراء التغذية أن بدائل اللحوم كثيرة ولكن ثقافتنا الغذائية تحول دون تقبلها، حيث تشير الدكتورة زينب سليمان خبيرة التغذية إلى أن اللحوم ارتبطت فى أذهان المصريين بالقدرة المالية، وأن من لا يتناولون اللحوم هم الفقراء، رغم أن الإفراط فى تناول اللحوم يؤدى إلى الاصابة بالأمراض مثل النقرس وارتفاع نسبة الكوليسترول فى الدم، وأضافت أن العناصر الغذائية الموجودة فى اللحوم يمكن الحصول عليها من مصادر أخرى مثل الخضراوات والفاكهة، بل إن بعض الأطعمة التى يعتبرها البعض أطعمة الفقراء مثل الكشرى والبصارة والبقوليات بكافة أنواعها تعتبر أغنى وأصح من اللحوم، ومهما زادت أسعار هذه السلع فلن تكون مثل اللحوم التى وصلت لأسعار فلكية، وأضافت: لابد من تغيير ثقافة المصريين الغذائية فليس من يتناول اللحوم هم الأصحاء، ولكن بدائل اللحوم كالعدس والفول وعش الغراب تحتوى على أحماض أمينية كتلك الموجودة فى اللحوم بل وأكثر.

الفول واللحمة

ويبدو أن هذا الصراع الأبدى الموجود بين الفول واللحمة سيظل قائماً فى مصر، فمنذ أن كتب الراحل أحمد فؤاد نجم قصيدته «الفول واللحمة» التى غناها الراحل أيضاً الشيخ إمام، وهذا الصراع جلي بينهما، ومع زيادة الأسعار ودعوات المقاطعة يصبح الفول بديلاً أفضل من اللحوم، فهو كما قال نجم فى وصفه للفول المصرى «البروتين الكامن طيه نادر زيه فى أيها فول» ولكن الشعب المصرى مصرّ على نهاية القصيدة: «إحنا سيبونا نموت م اللحمة وانتو تعيشوا وتاكلوا الفول» ولكن مع الأسعار الجديدة لن يستطيع أحد فى مصر تناول اللحوم، لذلك يجد الكثيرون أن المقاطعة سواء كانت إجبارية (بسبب ارتفاع الأسعار) أو اختيارية أصبحت واجباً وطنياً.

 

الخبر | اخبار اليوم "اللحمة" فيها سم قاتل - يمكنك مشاهدة مصدر الخبر الاصلي من الرابط التالي وهو : اخبار اليوم -الوفد ويخلي موقع تريكات عن مسؤوليته الكاملة عن محتوي اي خبر وانما تقع المسؤولية على الناشر الاصلي للخبر.

أخبار ذات صلة

0 تعليق